عمر فروخ

82

تاريخ الأدب العربي

7 - الغزل تعبير عن عاطفة أصيلة في الانسان أصالة الحاجة الجنسية فيه . وتغزّل الجاهلي بالمرأة وحدها ، إلا أن غزله هذا جرى مجريين . : مجرى عفيفا ومجرى صريحا . أما الغزل العفيف فكان في البادية في الأكثر ، وكان عفيف المعنى ، عفيف اللفظ . وقل ما صرّح الشاعر المحبّ باسم حبيبته في الشعر . من أجل ذلك كان الغزل العفيف نسيبا يدور حول بثّ الشوق وتذكّر الأيام الماضية والرغبة في لقاء الحبيبة ، ويقل الغزل الصحيح ( وصف الأعضاء الظاهرة في المرأة ) في هذا النسيب . ويحسن أن نلاحظ أن الغزل كان يقال في المتزوّجات أكثر مما كان يقال في العذارى . حتى ذلك الذي كان يقال في العذارى كان يجري في لفظ يدل على متزوّجة : أم الحويرث ، أم الرباب ، الخ . وكان إذا تغزّل المحب بحبيبته وصرح باسمها منعوه من الزواج بها ، وربما خلعوه وأخرجوه من القبيلة أو نفوه عنهم مرة واحدة . والبدوي الذي كان يسلك سبيل الغزل الصريح كان مغرما بالصفات الجسمانية البارزة في المرأة : كان يحب المرأة الفخمة التي يضيق الباب عن جسمها والتي تعجز عن أن تنهض من الأرض إلّا بمعونة جواريها . وكان الجاهليون يحبّون الحور . ( شدة البياض في بياض العين وشدة السواد في سوادها ) . وكانوا يحبون الشعر الكثيف الوافر ( الطويل ) الأسود الجعد ، ويحبون الرأس البيضاوي الذي يكون فيه الخد أسيلا ( طويلا ) ، كما يكرهون اللون الأمهق ( الذي لا يخالط بياضه حمرة أو صفرة ) . وكذلك كانوا يحبون العنق الطويل . وكان أهل الحضر يحبّون المرأة العبلة الرعبوبة التي لا تبلغ في السمن مبلغ تلك التي يضيق الباب عنها . وذلك قول امرئ القيس في معلقته : « مهفهفة بيضاء غير مفاضة » . وكان الجاهليون من أهل الحضر يحبون أن يغامروا في سبيل الوصول إلى المرأة : فكانت المرأة المنيعة المتصوّنة المحاطة بالحراس والاسوار أحبّ إليهم من المرأة المبتذلة ، بينما البدوي كان يفضّل الوصول إلى المرأة من أيسر سبيل . والشاعر العفيف الغزل سواء ، أكان بدويا أم حضريا ، كان يغلب عليه الميل إلى امرأة واحدة يجد فيها نعيمه وشقاءه ، سواء أكانت هي تبادله حبا بحب أم لا تبادله ، كما رأينا في شأن عنترة مثلا فقد وقف سعادته على الزواج بعبلة . ثم إن عبلة تزوّجت وظل هو يقول فيها الشعر ويتحبّب إليها .